الجاحظ

118

رسائل الجاحظ

يعلم صدق النبي من كذب المتنبي وهو لم ينظر ولم يفكر ؟ فان قلتم انه نظر وفكر فقد رجعتم إلى الاكتساب ، وان قلتم انه لم ينظر ولم يفكر ، فلم عرف الفصل بينهما دون أن يجهله ، وكيف علم ذلك وهو لا يعرف الحجة من الحيلة ؟ وما يؤمنه ان يكون مبطلا إذ كان لم ينظر في أمور الدنيا ولم يختبر معانيها حتى يعرف الممتنع من الممكن وما لا يزال يكون بالاتفاق مما لا يمكن ذلك فيه ، وكيف ولم يعرف العادة ومجرى الطبيعة ، وإلى أين تبلغ الحيلة وأين تعجز الحيلولة ، وعند أي ضرب تسقطان وعلى أي ضرب تقومان ، ولم عرف صدق النبي حين عاين شاهده وأبصر أعاجيبه من غير امتحان وتعقب لمعانيها دون أن يعقد صدق المتنبي إذا أورد عليه أعاجيبه وخدعه وحيلته ؟ بل كيف لم يعرف اللّه حين وقع بصره على الدنيا من غير فكره فيها وتقليب لأمرها ، والدنيا بأسرها دلالة عما عرف صدق النبي حين أبصر دلالتها من غير تفكير فيها وتقليب لأمرها ، وقد علمنا أن الدنيا دالة كما أن شواهد النبي دالة ، ومتى كان ظاهر أحدهما يغني عن التفكير كان الآخر مثله ، إذ لم يكن في القياس بينهما فرق ولا في المعقول فصل ؟ قلنا : إن تجارب البالغ قبل أن يهجم على دلالات الرسل تأتي على جميع ذلك ولعمري لو كان هجومه عليها قبل المعرفة بمجاري [ الأمور ] وتصريف الدهور وعلقات الدنيا والتجربة لتصريف أمورها ، لما وصل إلى معرفة صدق النبي إلا بعد مقدمات كثيرة وترتيبات منزلة لأن مشاهد الشواهد إنما يضطره المشاهدة لها إذا كان قد جرب الدنيا وعرف تصرفها وعادتها قبل ذلك ، ولو لم يكن جربها قبل ذلك حتى عرف منتهى قوة بطش الإنسان وحيلته وعرف الممكن من الممتنع وما يمكن كونه بالاتفاق مما لا يمكن ، لما عرف ذلك . [ 12 - تجارب الطفل غير قصدية ] فإن قالوا : وكيف جرب ذلك وعقله وأتقنه وحفظه ، وهو طفل غرير وحدث صغير ، لأن غير البالغ طفل إلى أن يبلغ وحين بلغ فقد هجم على النبي